الشيخ الأنصاري

258

فرائد الاُصول ( طبع انتشارات اسلامي )

خلاف الواقع نعم إنما يصح التعبد على الوجه الثاني . فنقول إن الأمر فيما نحن فيه كذلك فإنه بعد ما حكم العقل بانحصار الامتثال عند فقد العلم في سلوك الطريق الظني . فنهي الشارع عن العمل ببعض الظنون إن كان على وجه الطريقية بأن نهي عند فقد العلم عن سلوك هذا الطريق من حيث إنه ظن يحتمل فيه الخطأ فهو قبيح لأنه معرض لفوات الواقع فينتقض به الغرض كما كان يلزم ذلك من الأمر بسلوكه على وجه الطريقية عند التمكن من العلم لأن حال الظن عند الانسداد من حيث الطريقية حال العلم مع الانفتاح لا يجوز النهي عنه من هذه الحيثية في الأول كما لا يجوز الأمر به في الثاني فالنهي عنه وإن كان مخرجا للعمل به عن ظن البراءة إلى القطع بعدمها إلا أن الكلام في جواز هذا النهي لما عرفت من أنه قبيح . وإن كان على وجه يكشف النهي عن وجود مفسدة في العمل بهذا الظن يغلب على مفسدة مخالفة الواقع اللازمة عند طرحه فهذا وإن كان جائزا حسنا نظير الأمر به على هذا الوجه مع الانفتاح فهذا يرجع إلى ما سنذكره السادس وهو الذي اخترناه سابقا وحاصله أن النهي يكشف عن وجود مفسدة غالبة على المصلحة الواقعية المدركة على تقدير العمل به فالنهي عن الظنون الخاصة في مقابل حكم العقل بوجوب العمل بالظن مع الانسداد نظير الأمر بالظنون الخاصة في مقابل حكم العقل بحرمة العمل بالظن مع الانفتاح . فإن قلت إذا بني على ذلك فكل ظن من الظنون يحتمل أن يكون في العمل به مفسدة كذلك . قلت نعم ولكن احتمال المفسدة لا يقدح في حكم العقل بوجوب سلوك طريق يظن معه بالبراءة عند الانسداد كما أن احتمال وجود المصلحة المتداركة لمصلحة الواقع في ظن لا يقدح في حكم العقل بحرمة العمل بالظن مع الانفتاح وقد تقدم في آخر مقدمات الانسداد أن العقل مستقل بوجوب العمل بالظن مع انسداد باب العلم ولا اعتبار باحتمال كون شيء آخر هو المتعبد به غير الظن إذ لا يحصل من العمل بذلك المحتمل سوى الشك في البراءة أو توهمها ولا يجوز العدول عن البراءة الظنية إليهما . وهذا الوجه وإن كان حسنا وقد اخترناه سابقا إلا أن ظاهر أكثر الأخبار الناهية عن القياس أنه لا مفسدة فيه إلا الوقوع في خلاف الواقع وإن كان بعضها ساكتا عن ذلك وبعضها ظاهرا في